الصحراء زووم : اشكيريد مصطفى
أكد رئيس مجلس المستشارين، سيدي محمد ولد الرشيد، أن الدورة الثانية من السنة التشريعية 2025-2026 شكلت محطة استثنائية في مسار المؤسسة التشريعية، سواء من حيث الحصيلة التشريعية غير المسبوقة، أو على مستوى الأداء الرقابي والدبلوماسية البرلمانية، وذلك في سياق دولي وإقليمي بالغ الدقة، اتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية وتفاقم الأزمات الأمنية والاقتصادية، خاصة بمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، وما ترتب عنها من تداعيات إنسانية واقتصادية أثرت على الأمن والاستقرار والاقتصاد العالمي.
وأوضح ولد الرشيد، في كلمته بمناسبة اختتام الدورة البرلمانية، أن استمرار الأزمات الدولية، إلى جانب تفاقم آثار التغيرات المناخية، كشف عن هشاشة العديد من التوازنات الاقتصادية والاجتماعية، وأبرز الحاجة إلى اعتماد نماذج تنموية أكثر قدرة على الصمود والتكيف مع التحولات المتسارعة، بما يعزز الاستعداد لمواجهة تحديات المستقبل بكفاءة وفعالية.
وسجل بأن المملكة المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تواصل ترسيخ اختياراتها الاستراتيجية بثبات واتزان، اعتماداً على رؤية استباقية تقوم على تعزيز السيادة الاقتصادية، وتنويع الشراكات، وتطوير البنيات التحتية، وتحفيز الاستثمار، والارتقاء بالرأسمال البشري، وتقوية التماسك الاجتماعي، بما رسخ مكانة المغرب كشريك موثوق يحظى بالاحترام والمصداقية على المستويين الإقليمي والدولي.
واعتبر ولد الرشيد أن التحولات الدولية الراهنة تستوجب من مختلف المؤسسات الوطنية تعزيز اليقظة الاستراتيجية، وتطوير آليات الاستشراف والاستباق، بما يكفل حماية المكتسبات الوطنية وصون مصالح المملكة في ظل عالم يتسم بتزايد منسوب عدم اليقين.
وأشار إلى أن اختتام الدورة البرلمانية يتزامن مع استعداد المملكة لتخليد الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه المنعمين، معتبراً أن هذه المناسبة الوطنية تجسد ما تحقق خلال العهد الزاهر من إصلاحات هيكلية وأوراش استراتيجية كبرى، عززت النموذج التنموي الوطني ورسخت دعائم الاستقرار، كما تمثل مناسبة لتجديد أواصر البيعة والولاء بين العرش والشعب.
وعلى مستوى العمل التشريعي، أبرز رئيس مجلس المستشارين أن المجلس عقد خلال هذه الدورة عشر جلسات عامة تشريعية، تمت خلالها مناقشة والتصويت على 108 نصوص قانونية، منها 53 مشروع قانون و55 مقترح قانون، بينها ثلاثة مشاريع قوانين تنظيمية، مسجلاً أن هذه الحصيلة تعد الأعلى منذ إحداث مجلس المستشارين، كما أنها المرة الأولى التي يفوق فيها عدد مقترحات القوانين عدد مشاريع القوانين، بما يعكس تنامي المبادرة التشريعية البرلمانية والانخراط الجماعي لمكونات المجلس في تثمينها.
وأوضح أن النصوص المصادق عليها شملت إصلاحات استراتيجية همت إعادة هيكلة عدد من المؤسسات العمومية، وتطوير المنظومة القانونية المنظمة للجهات، وإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان، وتحيين الإطار القانوني للوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، فضلاً عن إصلاح منظومة الإحصاء الوطني وتحويل المندوبية السامية للتخطيط إلى هيئة مستقلة للحكامة الجيدة، واعتماد مقتضيات جديدة لتعزيز الوقاية من المخاطر المالية بالقطاع البنكي.
كما صادق المجلس على تعديلات تهم قطاع التعليم العالي والإدارة، من خلال تطوير اختصاصات عدد من المؤسسات الوطنية، إلى جانب المصادقة على نصوص مرتبطة بالقطاع الصحي، وتنظيم مهنة الطب، ومدونة الأدوية والصيدلة، والدعم الاجتماعي المباشر، ومدونة الشغل الخاصة بحراس الأمن الخاص، إضافة إلى قوانين تهم مهن العدالة، وإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، والنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، والموافقة على عدد من الاتفاقيات الدولية، واستكمال المنظومة القانونية المنصوص عليها في دستور 2011.
ولفت ولد الرشيد إلى أن مناقشة مشاريع ومقترحات القوانين عرفت تفاعلاً واسعاً من مختلف مكونات المجلس، حيث تقدم المستشارون بـ1077 تعديلاً، تمت المصادقة على 115 منها، بما أسهم في تجويد النصوص القانونية وتعزيز جودتها.
وفي الجانب الرقابي، أكد رئيس الغرفة الثانية للبرلمان أن المجلس واصل ممارسة اختصاصاته الدستورية من خلال مواكبة مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والترابية، ولاسيما ملفات الصحة والتعليم والعالم القروي والبنيات التحتية والتنمية، موضحا بأن المجلس توصل خلال دورة أبريل 2026 بـ458 سؤالاً شفهياً، أجابت الحكومة عن 264 سؤالاً منها خلال 12 جلسة عامة شملت 24 قطاعاً حكومياً، كما بلغ عدد الأسئلة الكتابية 401 سؤال، تم الجواب عن 174 منها.
وأشار إلى أن المجلس ناقش الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة، واستمع إلى عرض الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، كما خصص جلسات لمناقشة الأمن الغذائي وتقييم السياسات العمومية في مجال مواجهة آثار التغيرات المناخية، في وقت واصلت اللجان الدائمة عملها التشريعي والرقابي من خلال عقد 61 اجتماعاً امتدت لنحو 110 ساعات، فضلاً عن تنظيم زيارات ميدانية ومواكبة عدد من الأوراش الوطنية.
وبخصوص الدبلوماسية البرلمانية، أبرز رئيس مجلس المستشارين أن المجلس عزز حضوره داخل مختلف الهيئات البرلمانية الإقليمية والقارية والدولية، انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى دعم الدبلوماسية الوطنية والدفاع عن المصالح العليا للمملكة، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية.
وأوضح أن المجلس كثف مشاركاته في المحافل البرلمانية الدولية، وفي مقدمتها الجمعية العامة الـ152 للاتحاد البرلماني الدولي بإسطنبول، حيث أجرى سلسلة من اللقاءات الثنائية مع رؤساء برلمانات ومجالس شيوخ من مختلف القارات، تم خلالها التأكيد على وجاهة المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الحل الجاد والواقعي والوحيد لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، مع إبراز الدعم الدولي المتنامي الذي تحظى به المبادرة، كما توجت هذه المشاركة بتوقيع عدد من مذكرات التفاهم واتفاقيات التعاون البرلماني مع عدد من المؤسسات التشريعية، إلى جانب مواصلة الشعب البرلمانية المغربية حضورها الفاعل داخل مختلف الاتحادات والمنظمات البرلمانية الإقليمية والدولية.
وسجل ولد الرشيد أن مجلس المستشارين احتضن خلال هذه الدورة عدداً من التظاهرات البرلمانية الدولية، وفي مقدمتها الدورة الرابعة لمنتدى مراكش البرلماني الاقتصادي للمنطقة الأورومتوسطية والخليج العربي، التي عرفت مشاركة وازنة لرؤساء برلمانات ومجالس شيوخ من مختلف القارات، وشكلت مناسبة لتعزيز الحوار حول القضايا الاقتصادية والتنموية، وإبراز المكانة التي تحتلها المملكة على الصعيد الدولي.
وأضاف أن المجلس واصل توسيع شبكة شراكاته المؤسساتية، من خلال توقيع مذكرات تفاهم مع عدد من البرلمانات والهيئات البرلمانية الإقليمية والدولية، واحتضان لقاءات وندوات دولية خاصة بإفريقيا، في إطار ترسيخ الدبلوماسية البرلمانية كآلية لتعزيز التعاون جنوب-جنوب والدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمملكة.
وفي ختام كلمته، أكد رئيس مجلس المستشارين أن الحصيلة المحققة خلال هذه الدورة تعكس روح المسؤولية والانخراط الجماعي لمختلف مكونات المجلس، وتشكل دافعاً لمواصلة تطوير الأداء التشريعي والرقابي والدبلوماسي بما يعزز مكانة المؤسسة البرلمانية ويواكب تطلعات المواطنين.
كما أعرب ولد الرشيد عن تقديره لأعضاء مكتب المجلس، ورؤساء الفرق والمجموعات البرلمانية واللجان الدائمة، وكافة المستشارات والمستشارين، إلى جانب الأمين العام للمجلس والأطر والموظفين، مثمناً ما أبانوا عنه من مهنية والتزام في أداء مهامهم، كما نوه بالأجهزة الأمنية والوقاية المدنية ووسائل الإعلام الوطنية لمساهمتها في إنجاح أشغال المجلس ومواكبتها المستمرة لأنشطته، واختتم كلمته بالدعاء بأن يوفق الله الجميع لمواصلة خدمة الوطن تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وأن يحفظ جلالته ويمتعه بموفور الصحة والعافية، ويديم على المملكة نعمة الأمن والاستقرار والازدهار.